يتردد اسمها على كل لسان وتكتسب كل يوم المزيد من الاوصاف والالقاب...
ينظر اليها البعض كمثال حي للفتاة العربية الاصيلة التي ولدت في المهجر والتي تحمل في قلبها وعقلها كل القيم والاحاسيس التي تربى عليها ابويها وكانت وبحق مدعاة لفخر الاهل والاصدقاء والجالية العربية كافة.
فتاة في مقتبل العمر. ترى في ملامحها البسيطة صور نسوة بغداد والموصل تبتسم، فتتسلل الى داخلك وعندما تقول لها بأنها فعلت شيئاً عظيماً ترد عليك: لا انا لم افعل الا واجبي تجاه صديقتي حنان.
انها الانسة نادية عماد البدري الفتاة الامريكية المولد العراقية الاصل التي ألمها ان ترى صديقتها حنان بندقجي طريحة الفراش والالام بسبب مرض القصور الكلوي... لم تترد ناديا كما جميع افراد عائلتها بالذهاب الى المشفى واجراء الفحوص اللازمة املين ان يتمكن احدهم من التبرع بإحدى كليتيه للصديقة المريضة.
وكانت المفاجأة بأن تكون ناديا هي الوحيدة التي يمكنها ان تمنح كليتها لحنان ولتعمد الصداقة بينهما بهبة الحياة والمودة. ذهبت لزيارة نادية وطلبت منها ان تقول لي كل شيء فقالت:
ولدت في امريكا وعشت في السعودية مع والدي لمدة 13 سنة. تخرجت من جامعة لونغ بيتش واحمل اجازة في ادارة الاعمال الدولية. اعيش مع عائلتي والدي عراقي وامي اسبانية، تعرفت على حنان منذ ان كنا اطفالاً صغاراً، ونحن نحس بأننا اخوات. اعمل في مجال انتقاء الناس للعمل (recruiting) في شركة بمدينة تورنس. احب الحياة ولي صداقات عديدة، واحب عائلتي.
- كيف سمعت عن مرض حنان؟
- حنان كانت مريضة منذ سنتين تقريباً وكنت ارى ان اطرافها تتورم وبعد ان زارت الطبيب واجرت التحاليل قالوا لها بأن كليتيها لا تعملان، وبدأت باجراء عمليات غسيل الكلية المؤلمة وبشكل يومي. قالوا لها بأنها تحتاج لكلية جديدة وعليها ان تنتظر 5 سنوات وكنت واثقة بأنها لن تتمكن من الانتظار أقصد كانت ستموت قبل أن يأتي دورها للحصول على كلية. ذهبت مع شقيقتها جوجو واجرينا التحاليل ولحسن حظي فقد كنت انا الوحيدة التي يمكن ان اتبرع لها بكليتي. منذ ذلك اليوم بدأت باجراء الفحوص والتحاليل اللازمة من دم وانسجة وغيرها اضافة الى الخضوع لجلسات مع اطباء نفسانيين ليخبروني عن مخاطر العملية وليتحققوا بأنني افعل ذلك تبرعا وبدون حوافز مالية..هم يظنون ان المتبرع سيقبض مالاً لقاء التبرع بكليته. زرت الطبيب حوالي 21 مرة وكانت النتائج ايجابية.
وفي كل مرة كانوا يسألوني اذا كنت سأغير رأيي في اي لحظة مكريين على مسامعي عن الاعراض المستقبلية التي سأحيا بها وانني ساضطر لأغير نمط حياتي من جهة الاكل والشراب والحركة ولكنني كنت مستعدة لكل ذلك من اجل حنان واطفالها. الشيء الجميل ان الشركة التي اعمل بها سمحت لي باجازة مفتوحة عندما عرفوا بما سأفعله، اهلي كانوا يشجعونني وقد عملت ساعات اضافية لاستطيع تعويض الخسائر المادية لابتعادي عن العمل في فترة النقاهة.
- كيف تشعرين الأن؟
- انا بحالة جيدة تماماً، لا احس بالقلق، واتناول ادوية لتخفيف الالام، جسمي يعمل بشكل جيد ولكنني احس بالتعب والانهاك قليلاً.
-هل رأيت حنان بعد العملية؟
- نعم زرتها ثلاث مرات وهي لا تستطيع القيادة الان، وانا أيضا احس بالدوار في السيارة بسبب الادوية التي وصفوها لي، ولكنني سعيدة جداً فهي بخير وانا بخير. كل الامر لا يستحق الاهتمام، انا قمت بواجبي تجاه شقيقة لي. لقد كانت في وضع سيء بسبب عمليات غسل الكلية وكنت اراها تتألم وكان ذلك يؤلمني ايضاً.
- حدثيني عن العملية.
- تم اجراء العمليات في مشفى سان جوزيف في مدينة اورانج والمشفى مشهور بالكفاءة وبنسبة النجاح في عمليات الزرع اذ تبلغ درجة 100% . وقد اجرى عملية الاستئصال الدكتور ( روزك ) وهو جراح مشهور جداً وساعده في عملية الزرع الدكتور ( تشامبرلين).
-كيف تشعرين؟
- اشعر انني بخير، لا اشعر بأنني فقدت اي شيء وخصوصاً حين رأيت حنان بعد يوم العملية ورأيتها تأكل وتشرب ولمست التحسن الواضح على وجهها وجسدها. انا مضطرة الان لشرب 96 اونصة ماء يومياً وان امشي لمدة 20 دقيقة ولن يكون بامكاني ان اقوم بأي حمية غذائية. اعرف انني ساحتاج لبعض الوقت وسأحتمل الالم مهما حصل، وسأقوم بزيارة الطبيب مرة كل 6 اشهر.
- لقد قمت بعمل رائع وانت تدركين نتائج واعراض هذا التبرع انه عمل بطولي، اهنئك على ذلك.
- (تضحك نادية) وتقول: هذا ما اسمعه كثيراً، ولكن علاقتي بحنان علاقة قوية وبالنسبة لي فانا لا اعتبر ذلك بطولة. يكفيني ان أرى صديقتي حنان تتمتع بحياتها وأطفالها بشكل طبيعي. لقد تلقيت الكثير من الدعم من المشفى ومن متبرعين اخرين ولم اشعر بالخوف ولم فقدت اعصابي.
- ماذا تقول نادية لآبناء وبنات الجالية وللذين يفكرون بالتبرع ؟
- أحب أن أشجع الجميع على ممارسة هذا العمل الانساني، والانسان يمكنه أن يعيش بكلية واحدة والعمر محتوم من الله تعالى. وعلى أية حال ففي حال إصابة المتبرع بمشكلة كلوية وحاجته لكلية جديدة فسيكون الأول على لائحة الزرع ولن يحتاج للانتظار. أنا لا يهمني كثيرا التغيير الذي طرا على حياتي لأن الثمن كان إعطاء أمل بالحياة لأم ولعائلة بأكملها. أتمنى أن ألتقي أي شخص ينوي التبرع بكليته، لأنه بإمكاني أن أقدم لهم المزيد من النصح والارشاد وهذا ما يحتاجه المتبرع.
( تركت نادية لتشرب بعض الماء) وتوجهت لأخيها عمر وسألته عن رأيه بما فعلته شقيقته نادية فقال:
كنا جميعا مستعدين لهذه التضحية، وقد أجرينا الفحوصات اللازمة ولم تنجح بالامتحان إلا نادية وقد قامت بما تراه واجبا. نحن ندعمها مئة بالمئة ونتمنى لها ولحنان الصحة.
السيد عماد البدري( أبو عمر) قال باسماً: كنت أتمنى أن أقوم بهذه التضحية ولكن كليتي لاتصلحان للتبرع، أجرينا الفحوص ورسبنا ونحمد الله أن نادية كانت الرائدة والسباقة في هذا المجال. أما الوالدة أنجيليكا فكانت تجلس بقرب نادية لتقدم لها كل ما تحتاجه ولتقول لي بأن نادية ستكون بخير وأنها تتمنى أن يقوم أبناء وبنات الجالية بكل ما يمتن علاقات الآخوة والدم ، مضيفة بأنها وابنتها على استعداد لتقديم النصح والدعم لأي شخص يقوم بالتبرع بكليته لصديق أو قريب أو غيره....
كنت أتمنى أن يطول اللقاء وأن أتحدث مع نادية لفترة أطول، ولكنني كنت أعلم بأنها تتناول بعض الآدوية والمسكنات التي تجعلها منهكة ولم أرغب بأن أكون ضيفا ثقيلا على عائلة البدري الرائعة. إستأذنت نادية وتمنيت لها الشفاء العاجل وانحنيت إجلالا لهذه اليعربية الأصيلة ولوالديها الكريمين، ودعتهم جميعا وخرجت ولسان حالي يقول:
الخير بأمتي إلى يوم القيامة...