|
تتصدر اخبار الانتخابات النيابية المقبلة في لبنان
عناوين كبريات الصحف العربية والعالمية وتحتل مقالات التحليل والتوقعات
حيزاً هاماً من أوقات المحللين والمختصين بشؤون المنطقة. وهذا شيء لم
يحصل مسبقاً مع دول اخرى وانتخابات مماثلة، ويعود ذلك لحجم التدخل
الدولي في انتخابات هذا البلد الصغير الذي استطاع بصمود شعبه ومقاومته
كتابة التاريخ والدخول في قطاره كمنتصر اوحد على العدو الاسرائيلي
مرتين، مرة في ايار 2000 وثانية في تموز 2006.
صحيح ان مساحة لبنان لا تتعدى 10452 كم مربع ولكنه
وبحق يعتبر منارة للشرق، وصلة الوصل بين الغرب والشرق العربي، هذا
البلد الصغير الحجم يذخر بالطاقات والمواهب التي اثَرت العالم العربي
والعالم ولكنه يقف عاجزاً عن اللحاق بركب الامم المتحضرة حين يأتي
الامر إلى نظامه السياسي وتركيبته الاقطاعية والمناطقية والطائفية.
فمنذ استقلاله عن سورية بني لبنان على أسس طائفية
حيث وزعت المناصب والوظائف على أسس الانتماء المذهبي والطائفي وليس على
اساس الكفاءة والخبرة وعليه فإن الرئاسة من حق الموارنة وكذلك قيادة
الجيش ورئاسة المخابرات و .... ورئاسة مجلس النواب للشيعة ورئاسة
الوزراء للسنة ... واحياناً لا يمكن تعيين مدير في وزارة إلا بتوافق
القيادات الروحية والسياسية وقد يصل الامر لحد الازمة... وكنتيجة
منطقية لهذا النظام المتخلف وهذه التركيبة الطائفية المعقدة كان لبنان
مسرحاً لثورات وحروب طويلة من سنة 1958 حتى نهاية الحرب الاهلية عام
1990 وما تلاها.
وبعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري انقسم لبنان بين 8
و 14 اذار (معارضة وموالاة) وكان يمكن ان يكون هذا الاصطفاف صحياً في
بلد كلبنان لولا التدخلات الاجنبية ومحاولة توسيع الخلاف بين
اللبنانيين، فقد وقفت سورية وايران مع المعارضة المتمثلة بالمقاومة
والاحزاب الوطنية والتقدمية بينما وقفت السعودية ومصر والاردن وما يسمى
بدول الاعتدال وبدعم وتوجيه امريكي، مع الفريق الاخر الذي يسعى جاهداً
لكسب الانتخابات القادمة في حزيران بشتى الوسائل والطرق.
فبعد اتفاق الدوحة وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية
وانتخاب العماد ميشيل سليمان رئيساً للجمهورية كنا نظن بأن الامور قد
تحسنت وخصوصاً انه تم اقرار المحكمة الدولية الخاصة بلبنان ولم يعد
بإمكان احد ان يقوم بتعطيلها ولكن الاحداث الاخيرة والرسائل الانتخابية
والتحريض الطائفي واستذكار الشهداء القتلى وحوادث القتل تؤكد بأن
الهدوء في لبنان هو كالجمر تحت الرماد لا يلبث ان يظهر شرره بعد اول
نسمة هواء تحركه...
اقول هذا لان مباراة رياضية جرت في الملعب البلدي
في بيروت الأسبوع الماضي، كادت ان تشعل شرارة الحرب الاهلية ثانية،
اطلاق نار على الفريق الرياضي، وحجاره على الباصات وحتى قيام النساء
برمي اصص الورد من الطوابق العليا على عربات فريق لا ينتمي طائفياً
لنفس طائفة ابناء المنطقة ... ولولا تدخل الجيش اللبناني لكانت النتائج
اكثر دموية ومأساوية.
المخجل في هذه الحادثة ومثيلاتها بأنها ترتكز
اساساً على فكرة كراهية الأخر وتخوينه واستهداف الرموز الدينية
والوطنية وتلك نتيجة طبيعية للخطاب التحريضي الذي تستعمله الزعامات
السياسية لهذا الفريق او ذاك.
ولأن المرشحين للانتخابات، واكثرهم يترشح للمرة
العاشرة، لم يقدموا لناخبيهم شيء، ولأن كل وعودهم الانتخابية كانت
كسحابة صيف لم تمطر، ولأنهم لا يبحثون الا عن مكاسبهم الشخصية ليس هناك
ما يجيشون به المناصرين الا الحديث الطائفي وإيهام البسطاء بأن خسارة
هذا المرشح او ذاك هي خسارة للطائفة وخسارة للوطن الذي انهكوه بالنهب
والسلب وتجويع المواطن البسيط الذي يعتبر زعاماته معصومة عن الخطأ وما
ينطق عنها قريب من الوحي الرباني...
لو ترك اللبنانيون يحلون مشاكلهم بايديهم لجلسوا
جميعاً على طاولة الحوار وعاد لبنان وطناً للحب والورود والدلعونا ولكن
هناك اموال وملايين من الدولارات تصرفها دول النفط و امريكا
لدعم فريق ضد اخر ولتسجيل نقاط ضد دول اقليمية
يعتبرونها تهديداً لامنهم القومي... وانا لا اتجنى على احد فها هي
الصحف الامريكية تتحدث عن ضخ مليارات الدولارات السعودية لتغيير
الخارطة السياسية وما زيارة وزير الاعلام السعودي الى بيروت في الاسبوع
الماضي الا دليل على ذلك.
امريكا ايضاً تدعو الى ترك اللبنانيين يقترعون دون
تدخلات ولكن السيدة كلينتون تمارس اكبر تدخل انتخابي حين تزور بعض
الاطراف دون غيرها او حين كانت تعتبر ادارة بوش ان بقاء السنيورة في
الحكومة هو ضمانة للامن القومي الامريكي وحين تفرض ساسون مثلاً (
السفيرة الامريكية في بيروت) اسم الياس المر كوزير للدفاع شاء من شاء
وأبى من أبى !!! ثم يقولون لك بأننا نريد انتخابات نزيهة؟!
على اللبنانيين ان يفكروا الف مرة بالمخاطر التي
تهدد وطنهم وخصوصاً بعد الإنجازات الامنية بالكشف عن خلايا التجسس التي
يشارك فيها ضباط قادة مثل اديب العلم ( مدير الجوازات السابق) والتي لا
يشك احد بانه سلم اسرائيل معلومات دقيقة عن كل القادة والزعماء
اللبنانيين يمكن لو اسيء استخدامها أن تهدد الوطن وتضعه على شفير
الهاوية كما حصل يوم اغتيال المغفور له رفيق الحريري. فالحيطة والحذر
اهم من البحث عن العلاج ولتكن بداية العلاج والوقاية في التوقف عن
المتاجرة بدماء الشهداء والكف عن حديث سني وشيعي وماروني ودرزي، ولينطق
الجميع بلغة وطنية خالية من التخوين والترهيب والقول بأن فوز الفريق
الاخر سيدمر البلد..
ان فوز اي فريق سياسي في لبنان لن يغير شيئاً في
الوضع الدولي فلبنان ليس امريكا ولا روسيا بل هو بلد يقبع حتى حديثي
الولادة فيه تحت دين يبلغ 18 الف دولار للشخص والعالم سيتعامل مع
المجلس النيابي القادم بشكل طبيعي لان لكل دولة مصالحها واولوياتها،
فمن يظن بأن الانتخابات اللبنانية تشغل بال امريكا اكثر من انفلونزا
الخنازير واهم، ومن يظن بأن لبنان أهم من شركة جي ام هو حالم ..
فلنعرف حجمنا الطبيعي ولنكسر الايادي التي تريد شراء ضمائرنا ومستقبلنا
ومن يحب لبنان فليقف مع كل اللبنانيين لا مع 8 او 14 اذار. |