لا يختلف اثنان بأن الفن سلاح ذو حدين علينا حسن استخدامه في معركة
الوجود التي نحوض غمارها مع الاستعمار الصهيوني وكل اعوانه، وخصوصاً
بعد انتشار الفضائيات ووسائل الاعلام والاتصال التي اخترقت الحدود
والحواجز واصبحت تقتحم بيوتنا وغرف نومنا دون استئذان. وحتى لا يُساء
فهمي فأنا لا أعتبر نفسي ناقداً فنياً ولا خبيراً في الاخراج والمسرح
ولكنني أقول رأيي كمشاهد قد يخطئ وقد يصيب .. . هاجمت في السابق العديد
من الفضائيات العربية التي امتهنت تقديم الغث والتافه من المواد الفنية
والفنانات والفنانين الذين حولواحياتنا الى جحيم.
فالفن لم يعد فناً في عصر الفيديو كليب وعمليات التجميل ونفخ الشفاه
وتكبير الصدور وحقن السيليكون في الأرداف والسيقان، واصبح مظهر الفنانة
وقصر فستانها وضخامة شفتيها وثدييها وجرأتها في التعري هي مقومات
نجاحها، وصرنا نتعرض لقصف متواصل بالمواد الساقطة التي افقدتنا ولفترة
صوابنا وحولتنا الى متلقين لقمامة استعراضية برعت بعض الاطراف بانتجاها
وتسويقها .... وكون شهر رمضان المبارك هو شهر المباريات الفنية وشهر
العروض المكثفة فقد أثرت أن أراقب بعض المسلسلات التاريخية الهادفة
التي تتحدث عن حقب من مواجهة الاحتلال والمحتلين واهمهما مسلسلا باب
الحارة ورجال الحسم.
فباب الحارة الذي نشاهد نسخته الرابعة هذا العام احدث نقلة حقيقية في
عقل المشاهد حيث تحولت احداث المسلسل من خلافات نسائية وعداوات قديمة
وثارات الى وحدة وطنية بين حارات دمشق لمواجهة المحتل الفرنسي والتواصل
مع الاشقاء في فلسطين الذين يواجهون الاستعمار البريطاني وعصابات
الصهاينة...
وفي هذا العام بالذات نعترف بدور المرأة العربية ومشاركتها بالشأن
الوطني لتنفى تهمة القيل والقال والاشارات لعبوديتها وكونها دمية
ووسيلة متعة ذكورية. اما الشيء الاخر الذي أسعدني فهو الاشارة إلى أن
النضال ضد الاحتلال لم يكن حكراً على طائفة او دين بعينه بل كان
السوريون مثلاً ( مسلمين ومسيحيين) يقاومون ويُسجنون ويستشهدون في سبيل
الوطن ومن لا يذكر منا أول رئيس وزراء سوري فارس الخوري وغيره من
رجالات الاستقلال. وهذه اشارة واضحة وصفعة على وجوه الذين يحاولون
دوماً دق إسفين للتفرقة بين ابناء البلد الواحد باستخدام الدين
والطائفة.
من يراقب باب الحارة في الجزء الرابع، يستطيع ان ُيسقط احداث المسلسل
على الواقع العربي الأن، حصار الحارة هو حصار غزة، والتضييق عليها يشبه
حصار اسرائيل ومصر لاخوتنا الفلسطينيين، وتهريب المواد الغذائية عبر
قنوات المياه يشبه إلى حد بعيد محاولات إمداد الغزيين بوسائل الصمود عن
طريق الانفاق بين غزة ومصر.... واشياء اخرى يمكن للقارئ والمشاهد ان
يدركاها ببساطة....
اما السبب الرئيسي وراء حديثي عن باب الحارة والاعمال الهادفة
والمطلوبة فهو للتحذير من الاعمال التجارية الاخرى التي لا تقدم لنا
الا قصص المخدرات والجنس والعنف والحب الحرام والمقصود منها تخديرنا
ومحاولة وضع حاجز بيننا وبين الواقع الذي نعيشه.
هناك ما يقارب من 490 قناة عربية تثبت باتجاهنا وهذه تخمة ومشكلة، حتى
الدول الكبرى تستهدفنا، بريطانيا بالبي بي سي وامريكا بالحرة وسوا
وفرنسا على الخط والمانيا تبث 4 ساعات يومياً بالعربي ،حتى الصين
واسرائيل قررتا انشاء محطات فضائية ناطقة بالعربية وغيرها ... وبالطبع
فإن الكم الهائل للبرامج وتنوعها قد يحير المشاهد الذي يجب ان يتحلى
بالمسؤولية ويميز بين الغث والسمين وبين ما يراد منه تعميم الفائدة
وفكر المقاومة والصمود وبين البرامج السامة التي تقدم لنا السم في
العسل وتهدف لقتل روح المواجهة وتشجع على التطبيع والاستسلام والخنوع.
انا مع مسلسلات تحكي الواقع وتحفز المشاهد كباب الحارة ورجال الحسم
والتغريبة الفلسطينية وغيرها كثير، لأنها تعيد الى الاذهان قوة العلاقة
بين ابناء هذه الامة وتشير بوضوح الى عدونا المشترك. اما مسلسلات الانس
والجنس والمال والهزل فلا مكان لها ويجب ان يحجر عليها وعلى اصحاب
القنوات التي تبثها لانها سلاح خطير يستخدمه عدونا ويسوقه عبر شاشات
تنطق وللأسف بالعربية.
علينا استخدام كل اسلحتنا الممكنة للحفاظ على تاريخنا وحاضرنا ومستقبل
اجيالنا، ولتكن برامج الفضائيات والافلام والمسلسلات ذخيرة لاطفالنا
ولشبابنا يتعلمون منها حب الاوطان والدفاع عنها ويدركوا بأن حرية الامة
وكرامتها لا تأتي بالتمني والاغاني الحماسية بل بالعرق والدم وتقديم
الشهداء، لا برقصات دينا ولا سيقان نانسي او نهدي مروى اللواتي ادعو
الله ان يحشرهن مع اصحاب الفضائيات الساقطة التي تقدمهن لنا. امين.