|
يحتار المرء في تفسير المواقف الرسمية لبعض العرب من الاحداث الجارية
في مصر وقطاع غزة ويتملكه الحزن حين يسمع بأن قوات الامن المصرية تعتدي
على النشطاء الاجانب الذين تظاهروا تضامناً مع غزة وتعتقل بعضهم....
تشعر بالاشمئزاز حين تعرف ان امرأة يهودية ناجية من المحرقة تذهب
بسنواتها الـ 85 لتطالب بفك المصار عن اطفال غزة فتتم جرجرتها على
الارض وتفقد عكازتها وفردة حذائها في مواجهة الامن المركزي ورجال
المخابرات المزودين بعصي كهربائية وقنابل مسيلة للدموع.
تصاب بالاحباط حين يتطوع حملة اقلام السلطة بكيل التهم لابناء غزة
والمطالبة بالثأر للجندي المصري الذي استشهد خلال المواجهات برصاصة
طائشة ... متناسين اعداد الشهداء الذين سقطوا في حروبنا مع العدو او
شهداء حوادث القطارات او غرق عبارة السلام او الذين سحقوا بصخور جبل
المقطعم دون ذكر الذين سقطواعلى ابواب الافران او الجنود المصريين
الذين اعدمتهم اسرائيل بعد استسلامهم....
بعض اولئك الكتبة واشباه الكتاب يطالبون بالانتقام ويحذرون من غضبة مصر
وشعبها على اهل غزة وكأنهم يعيشون في عالم اخر ولا يدرون بأن الشعب
المصري بغالبيته العظمى يقف مع فلسطين ومع جياع غزة وان الموقف الرسمي
لحكومتهم لا يعبر بأي حال من الاحوال عن غضب الشارع ورفضه لكل ممارسات
النظام ومواقفه من القضايا العربية المعاصرة. فالحديث عن تهديد الامن
القومي المصري من قبل الغزيين شيء مضحك، لأن امن غزة من امن مصر ويجب
ان يستعاض عنه بالحديث عن التهديد الاسرائيلي وفقدان السيطرة المصرية
على سيناء وعن كل القيود المذلة التي فرضتها اتفاقية كامب ديفيد .....
المدهش ايضاً هو تواتر الاحداث واستغلالها في غير محلها، فمنذ مهزلة
مباريات كرة القدم بين الجزائر ومصر ونحن نسمع من الفنانين والسياسيين
والراغبين في اغتصاب السلطة حملات شحن وتحريض ضد الاشقاء ومحاولة إلغاء
فكرة القومية العربية وارتفاع نغمة العصبية القطرية والتأكيد عن حب
مصر.... كلنا يحب مصر ويحب باقي اقطار الامة وليس حب الوطن ميزة شعب
بذاته لأن كل شعوب الارض تحب أوطانها، ولكن المحزن ان نجعل من حب الوطن
قناعاً للحط من قيمة الاخرين وكراهيتهم.
اعود لكتبة المقالات والاعمدة الذين تناسوا كل مشاكل مصر والعالم
العربي ووقفوا مع النظام ومفتي الازهر يباركون خطوات اقامة الجدار
وتجويع الفلسطينيين، فهم يريدون ان يوظفوا الدين لمأربهم الخاصة
وخصوصاً بوجود موظف مطيع برتبة وزير شؤون الازهر يستلم اوامره
وتوجيهاته من السيد أحمد نظيف رئيسه المباشر.
لماذا يحصل كل هذا في مصرنا الحبيبة؟ لماذا وفي هذا الوقت بالذات يقوم
الارهابيون بالهجوم على الاخوة الاقباط وقتل المصلين على باب الكنيسة؟
ولماذا التستر الاعلامي على ادوار بعض المسؤولين ومسؤوليتهم عن سقوط
الابرياء؟
مشكلتنا تتلخص في سيطرة السلطة على مفاصل المؤسسات الدينية وارتفاع
وتيرة الخطاب الغوغاني والتكفيري لبعض الاطراف .... فمفتي الازهر يفتي
بما يرضي الريس ورأس الكنيسة القبطية يتبرع من بين كل المصريين ليبارك
خلافة جمال مبارك لوالده! هذا في بلد يحتاج فيه المسيحيون لامر جمهوري
لترميم سقف او جدار كنيسة، في بلد شعاره الدين لله والوطن للجميع ؟!
مآساة نجع حمادي اخطر بكثير من انفاق غزة التي يدعون انها تهدد امن مصر
القومي، ومنذ متى كان الغزيون يهددون امن مصر وهم محاصرون؟ هذا ما
تطرحه امريكا واسرائيل وما تلتزم مصر الرسمية بتنفيذه، والهدف واضح..
إذ يعتبر النظام المصري بأن استمرار حماس وصمودها يضعف الدور المصري
على الصعيدين الداخلي والخارجي، داخلياً ترتفع اصوات الاخوان المسلمين
وغيرهم تأييداً لحماس ومعارضة للنظام، وخارجياً تفقد مصر مصداقيتها
كحارس امين للحدود الجنوبية لإسرائيل والتي تتلقى المساعدات والاموال
والمعونات كتعويض عن خدماتها.
من جهة أخرى، يعتبر الامريكيون والاسرائيليون والحكومة المصرية ان
تدمير الاتفاق سيوقف المساعدات الايرانية لحماس ويجبرها على الرضوخ
لشروط المصالحة المصرية وقبول الترتيبات المصرية لمبادلة الجندي
الاسرائيلي جلعاد شاليط وضخ الدم في عروق سلطة محمود عباس وسلطته
المدعومة أمريكيا وإسرائيلياً.
خلاصة القول ان الحكومة المصرية تجهد نفسها بالبحث عن دور اضاعته
بنفسها، عن دور تقزم منذ الحرب الصهيونية على لبنان في تموز 2006 وزاد
سوءاً بعد الحرب على غزة.... فقدت مصر دورها الذي بدأت دول اخرى بلعبه
مثل قطر وسورية وتركيا وايران.
هل نشعر بالرضى لتراجع الدور المصري؟ بالطبع لا، فمصر هي اكبر دولة
عربية وتراجع دورها يعني تراجع ادوار العرب قاطبة وقوتها وعزتها هي قوة
وعزة لكل العرب... وحتى يستيقظ الساسة في مصر من السبات الذي يغطون فيه
منذ توقيعهم لإتفاقية كامب ديفيد المذلة، نرجوا الله ان يحفظ مصر
وشعبها وان يرأف باخواتنا في فلسطين عامة وغزة خاصة كما ندعوا لله ان
يخسف الارض بمن يشترون بكلماته ثمناً قليلاً فيقفون مع اعداء الانسانية
ضد اخوتهم ويصدرون فتاوى ما انزل الله بها من سلطان. |