مأساتنا من سايكس بيكو وصولاً إلى برنار لويس والقادة العرب
استغرب فعلاً جهل الساسة العرب بالتاريخ وتشدقهم بالحفاظ على مصالح
الامة وهم يسيرون سير النعاج الى المسلخ تحت راية الديمقراطية تارة
والرأي العام الدولي .... اقول هذا حين نتحدث عن الاقليات بشكل خاص
وحين تخرج علينا دعوات تقرير مصير هذه الطائفة او تلك ... اما سبب
استغرابي فهو عدم قراءة التاريخ الحديث للمنطقة وما رسمه لنا الانكليز
والفرنسيون منذ سايكس بيكو وكيف قطعوا اوصال امتنا وبعد ذلك تبني ادارة
الرئيس ريغان والكونغرس الامريكي بالاجماع في عام 1983 على مشروع
المستغرق اليهودي البريطاني الاصل برنار لويس والقاضي بتقسيم منطقة
الشرق الاوسط باكملها مرة ثانية!
وعندما نقول الشرق الاوسط فنحن نقصد الدول العربية وتركيا وايران
وافغانستان حسب المنظور الامريكي.
خلاصة المشروع ان تتحول كل قبيلة في الجزيرة العربية الى دولة وهذا ما
يقصد به بالشرق الاوسط الجديد الذي يحل محل النظام الاقليمي العربي
الراهن، وقد تجلت بدايات هذا المشروع في الحرب العراقية الايرانية التي
هدفت الى تدمير الروابط بين العرب والمسلمين وخلق صراع وهمي يدوم لقرون
مقبلة.
نظرية برنار لويس وضعت عام 1980 وتأخر الكونغرس باعتمادها لتكون خطة
بطيئة التطبيق، وهذا ما كان مخططاً له ان يحدث في لبنان وما نراه يحصل
في العراق والسودان. وقد كان مستشار الرئيس الامريكي ريغان السيد
بريجنسكي قد اوصى باجراء تصحيح للحدود الجغرافية التي رسمها سايكس
وبيكو وتغيير خريطة الشرق الاوسط كلياً.... من هنا يتضح لنا الكرم
الامريكي لدعم معاهد البحوث الاجتماعية والسياسية في بعض الدول العربية
كمصر مثلاً ويذكرنا بازمة معهد ابن خلدون ورئيسه سعد الدين ابراهيم
وغيره، وان الهدف من انشاء تلك المعاهد واعداد تلك الدراسات ليس
ثقافياً ولا علمياً بل لاستخدامه في دوائر المخابرات الغربية لضرب وحدة
امتنا وتفريق شملنا، بمعنى اخر فان كل ما تجمعه تلك المعاهد والمؤسسات
يستخدمه الساسة في مراكز القرار.
وعليه فإن اهم نقطة يركز عليها القائمون على تلك المؤسسات هي قضية
الاقليات في الوطن العربي. ونحن نرى ما يجري الان في العراق حيث يتمتع
الاكراد بدويلة شبه مستقلة ترتبط بالغرب واسرائيل، وتقوم الحكومة
العراقية بعمليات فرز طائفية خطيرة حيث اصبحت هناك مناطق للسنة ومناطق
للشيعة إضافة لتقتيل وتهجير المسيحيين والصائبة وغيرهم مع تدمير ممتهج
للكنائس ودور العبادة ..... ووصل الامر بحكومة العراق ان تهمش السنة
بأكملهم بحجة انهم كانوا يوالون صدام، وبالامس فقط سرح اكثر من 600
ضابط من الجيش والشرطية لتعاطفهم مع البعث، وقبله حرم مئات المرشحين
للانتخابات من الترشح بحجة الولاء للبعث او لصدام في الوقت الذي اصبحت
فيه البصرة شبه إقليم مستقل بزعامة عمار الحكيم والميليشيات المدعومة
من ايران. لقد اصبح تقسيم العراق لثلاثة دول امراً شبه واقع .... ونظرة
اخرى نحو اليمن تزيدنا قلقاً فبعد 17 عاماً من الوحدة بطالب اهل الجنوب
بالانفصال وتقسيم الوطن ناهيك عن احداث الشمال الحوثي وما خلفته من
دمار وخسائر في بلد فقير وشعب طيب.
اما السودان فهو ينزف بمرارة، فالجنوب يتمتع بحكم ذاتي ويريد الاستقلال
وازمة اقليم دارفور اصبحت شغل امريكا والعالم الشاغل وحتى يزداد الطين
بلة فقد اصدر احد القضاة الدوليين امراً باعتقال الرئيس البشير بجريمة
الابادة الجماعية !!! في الوقت الذي يسرح فيه قادة اسرائيل ومن قتلوا
مليون ونصف المليون عراقي أحراراً طلقاء....
منذ اشهر ارسل لي احد الاصدقاء خارطة مستقبلية للمنطقة وضعتها إحدى
الادارات الامريكية وفيها العجب حيث يتم تقسيم السعودية الى ثلاثة دول
( احساء شيعة، نجد سنية، الحجاز السنية) وسورية الى 4 دول حلب ودمشق
سنيتان وعلوية على الساحل ودرزية في الجنوب، والسودان الى ثلاثة دول
ومصر الى ثلاث دول ايضاً ( قبطية عاصمتها الاسكندرية واسلامية في
القاهرة ونوبية في الجنوب وكذلك المغرب والجزائر ولكن المفاجأة في
لبنان الذي سيصبح ثمان دول: سنية في الشمال عاصمتها طرابلس ودويلة سنية
اخرى في البقاع خاضعة لسورية، دويلة مارونية عاصمتها جونيه، بيروت
مدولة، كانتون فلسطيني في الجنوب عاصمته صيدا، كانتون كتائبي في الجنوب
ايضاً، كانتون يخضع لاسرائيل ودويلة درزية في اجزاء من لبنان وسورية
وفلسطين المحتلة....
هذا ما يخطط لنا وهذا ما نسير اليه باقدامنا الحافية ونحن هائمون لا
ندري شيئاً....
وبحجة مسألة الاقليات والدفاع عنها يذبحوننا من الوريد الى الوريد، اي
ان الاقليات هي الة الرعب والنصل الحاد الذي تشهره امريكا واوروبا
وتسلطه على رقابنا.
لماذا لا نتذكر التاريخ المعاصر والحديث حين قامت فرنسا بتقسيم سورية
الى اربعة دويلات طائفية عام 1920 ( علوية درزية واسلامية سنية في حلب
واخرى في دمشق وكيف قام السوريون عام 1925 بثورتهم العظيمة بزعامة صالح
العلي ( العلوي ) وسلطان باشا الاطرش ( الدرزي) وابراهيم هنانو السني
وغيرهم من الزعامات لدحر المستعمر والحفاظ على وحدة الوطن ...
تسعون عاماً مرت على المؤامرة الفرنسية وها هي تنفذ الان في مناطق اخرى
من وطننا. إنه التحالف الاستراتيجي للإدارة الامريكية والاسرائيلية
والانظمة العربية العفنة التي لا تهتم إلا بمصالحها واستئثارها
بالسلطة... ويخرجون علينا لبنان اولاً ومصر اولاً والاردن اولاً و
..... اولاً !!!
اذا كانت هناك قيادات عربية مخلصة فالاجدر بها ان تبادر الى رأب الصدع
بين الفلسطينيين وبين البوليساريو والمغرب وبين المسلمين والاقباط في
مصر وبين شمال وجنوب السودان وبين العراقيين واللبنانيين ... وهذا
ماكان منوطاً بجامعة الدول العربية قبل وفاتها وقبل ان تصبح جثة هامدة
لا طعم لها ولا رائحة.
كل الامور في وطننا تسير بعكس الاتجاه فلا نحن قادرون على الحرب ولا
على السلم، بل يحاول البعض التأمر على البقية الباقية من الدول
والجماعات المقاومة ووصفها بالعبثية وانها تنفذ اجندات خارجية...
اليس معيباً ان تصبح دولنا معسكرات فقراء تشحذ الطحين والمعونات من
امريكا مقابل خدمات تسديها تلك الدول لاسرائيل؟ اليس معيباً ان نكون
عراة امام العالم كله وندعي حماية امننا القومي وسيادتنا الوطنية؟!
اعود لنظرية برنار لويس وحقبة الثمانينيات واعتماد الكونغرس الامريكي
لها وليت مساعدي الزعماء والقادة يقدمون لاسيادهم ملخصاً لمحتوياتها
فربما تتفتح عيونهم وتستيقظ ضمائرهم ويصلحون ما خربته ايديهم وايدي
اسلافهم انه على كل شيء قدير.ِ