اثار اغتيال القيادي الحمساوي محمود المبحوح في دبي الكثير من
التساؤلات حول كيفية تمكن جهاز المخابرات الاسرائيلي ( الموساد) من
تعقب الشهيد وتصفيته في غرفة فندقه، كما اثنى الكثيرون منا على اداء
اجهزة الامن الإماراتية التي توصلت وبوقت استثنائي للإمساك بخيوط
الجريمة ومعرفة اسماء منفذيها وتحركاتهم حتى بعد مغادرتهم لدولة
الامارات العربية المتحدة.
ولابد من توجيه التحية الى قائد شرطة دبي اللواء ضاحي خلفان ولدولة
الامارات التي سمحت بنشر الحقيقة كاملة بالرغم من الضغوط التي تتعرض
لها لطي ملف القضية.
جريمة الموساد ليست جديدة ولا غريبة، كونه اليد الطولى لنظام قام ولا
زال على الاجرام واستهداف الابرياء وهدفه الاساسي تصفية كل خصومه
والمدافعين عن كرامتهم وكرامة شعوبهم والمطالبين بحرية اوطانهم
واسترداد حقوقهم.
تصرفات فريق الاغتيال الغبية ( حسب قول اللواء ضاحي خلفان) تظهر بما لا
يقبل الشك بأن الجريمة ما كانت لتتم لولا وجود عميل من داخل حركة حماس
يسرب للصهاينة المعلومات عن تحركات هذا القيادي او ذاك وما وما اعتقال
منتسبيَ الامن الوقائي السابقين (أحمد حسنين وأنور شحيبر) في الاردن
واعادتهما الى الامارات إلا دليلاً قاطعاً ان عميلاً من اهل البيت قام
بمهمة يهوذا الاسخريوطي وهذا حصل سابقاً حين اغتيل القيادي في حزب الله
الشهيد عماد مغنية بدمشق.
الموساد او غيره من اجهزة المخابرات يبحثون عن ويستخدمون ضعاف النفوس
ومن يبيعون انفسهم مقابل الفائدة والمنفعة المادية، وحين ينفذون
جرائمهم نرفعهم الى مرتبة العباقرة ونسأل كيف استطاعوا الوصول الى هذا
الشخص او ذاك ... اما مجموعات تنفيذ العمليات الاجرامية فهم في الغالب
حملة جوازات اجنبية او مواطني دول اخرى وذلك يجعل امر اكتشافهم بسرعة
أمراً صعباً... وقد قامت دولة الإمارات باجراء طليعي وهو منع اليهود من
دخول أراضيها بغض النظر عن جنسياتهم وهو إجراء يجب تطبيقه في كل الدول
العربية.
الشيء الاهم في كل ذلك هو نية الامارات الادعاء على رئيس الموساد مئير
دوغان ورئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو والمطالبة باعتقالهما
لمسؤوليتهما المباشرة عن الجريمة... وليت الاردن فعل ذلك حين حاول
الموساد اغتيال خالد مشعل في عمان وكان عناصره يحملون جوازات سفر كنديه
أو فعلت مصر نفس الشيء مع عملاء الموساد واخرهم عزام عزام وغيرهم
كثير...
تذكرني جريمة الموساد هذه القصة الجاسوس الاسرائيلي إيليا كوهين الذي
زرع في سورية في ايام الانفصال والقي القبض عليه بتاريخ 01/01/1965 وهو
في حالة تلبس بالشقة السكنية التي كان يسكنها في شارع أبو رمانه بدمشق.
ايليا كوهين والشهير بـ "كامل امين ثابت" اليهودي، مولود في الاسكندرية
هاجر مع عائلته الى اسرائيل بعد حرب 1956 ، جنده الموساد وأرسل لسورية
بجواز سفر ارجنتيني على اساس انه ابن مهاجر سوري في الارجنتين عائد
لاستثمار امواله في وطنه الأم...
ذلك الجاسوس المتواضع تم تضخيمه من قبل الموساد والاعلام العربي حتى
اعتقد البعض بأنه كان على وشك ان يصبح وزيراً في الحكومة السورية وهذا
هراء وسذاجة.
لقد اثبتت التحقيقات مع ايليا كوهين والمتهمين الاخرين بأنه لم يستطع
تجنيد سوري واحد للعمل معه وان تعاونهم كان عفوياً ولم يتصور احد بأن
كامل امين ثابت هو جاسوس اسرائيلي، عدا ماجد شيخ الارض الذي التقاه في
السفينة من ايطاليا الى لبنان ...
معارف ايليا كوهين لم تتعدى الملازم معزى زهر الدين وجورج سالم سيف
الدين وايليا وبعض الاشخاص الذين تعرف عليهم خلال فترة عمله كمذيع
للبرنامج الاسباني الموجه للمغتربين السوريين في امريكا اللاتينية من
اذاعة دمشق.... وقد يكون قد تعرف على الرائد سليم حاطوم في الاذاعة كون
الاخير كان يقيم في الاذاعة منذ قيام ثورة 8 اذار 1963 ... كما ان عمل
كوهين في الاذاعة كان يسهل له معرفة بعض الاخبار التي كان يسربها للعدو
فيذيعها راديو العدو قبل اذاعتها في دمشق.
كل الذين تعرف عليهم كوهين كانوا اناساً عاديين وطلاب متعه مثل العازف
محمد عبد الكريم والمونولوجست كاظم معروف والمطرب فهد بلان ... ولم
يحصل ابداً ان قام كوهين بزيارة الجبهة السورية رفقة الفريق علي علي
عامر قائد الجيوش العربية ( وهذه كذبة كبيرة اطلقها المذيع والكاتب
السوري عبد الهادي بكار وصديقه الراحل الشهيد غسان كنفاني حين كان
مديراً لجريدة المحرر اللبنانية وبثتها اذاعة بغداد، وكان الهدف منها
حرمان النظام السوري انذاك من شرف اكتشاف الجاسوس واعطاء شرف اكتشافه
للمخابرات المصرية ... (وهذا ما كتبه عبد الهادي بكار حرفياً في كتابه
اسرار سياسية عربية ص 262 ...) والحق ان ايليا كوهين شارك بمناقصه
لشراء بلدوزرات من يوغسلافيا بالتنسيق مع شركة ابن لادن السعودية
وبصفته مواطناً سورياً عائداً من الارجنتين.... المخابرات السورية هي
من القت القبض على كوهين بعد تذمر السفارة الهندية من تشويش على
ارسالها واستخدام اجهزة الامن لعربات سوفيتية لالتقاط الاشارات
اللاسلكية ولكن بعض العرب يحاولون ان يقللوا من قيمة اخوتهم ومنح جائزة
الافضلية للعدو!
حوكم كوهين ورفاقه امام محكمة عسكرية سورية حكمت باعدامه ونفذ الحكم
يوم 18/05/1965 وظل جسده معلقاً في ساحة المرجة من 3.30 وحتى العاشرة
صباحاً ثم دفن في مكان ما في سورية.
قصة كوهين يمكن ان تحصل في اي مكان وليست بقصة جاسوس عبقري ولكن
الصهاينة والاعلام العربي جعلوا من عميل الموساد امير عصره في الذكاء
واختراق الامن القومي العربي، كتبوا المقالات والكتب وصوروا الافلام
وما زالوا حتى اليوم يطالبون برفاته... هم يعظمون جواسيسهم حتى نشعر
بعجزنا وبأننا غير قادرين على المواجهة وهذا جزء من حربهم النفسية التي
تلاقي قبولاً لدى بعض السذج.
نجح الموساد بشراء بعض ضعاف النفوس في فلسطين والاردن ولبنان وغيرها من
الدول العربية ونحن نرى كيف تهر سبحات الشبكات الاسرائيلية في لبنان
مثلاً وهذا لا يعني تفوق الموساد فهناك عملاء صهاينة يعملون ايضاً
لصالح المقاومة وغيرها من الدول العربية...
اعود لكلام اللواء ضاحي خلفان ان اساليب الموساد غبية وعشوائية وان
باستطاعة اجهزة مخابرات ( الامارات ) اختراق الموساد إن شاءت ...
فلماذا نعظم هؤلاء ونحن نعلم انهم قتلة ومجرمين وفاشلين؟
مشكلتنا أننا نؤمن بتفوق الأغراب وأن ( كل فرنجي برنجي ) ...